من النقاشات الذكية للعلاقات العاطفية في مسلسل ستار تريك، استحضار فصيلة فضائية تعيش ما معدله 9 سنوات

تبلغ Kes مرحلة النضوج عند عمر 3 سنوات، فتنتبه لمدى وصائية "زوجها" المزعجة على شخصيتها، وحين تخبره بذلك يسألها: لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟

فتُجيب:

لم أكن بعلاقة عاطفية من قبل
لَم أكُن بعلاقة عاطفية من قبل

ولَم أكن أعرف إذا كان هذا هُو الوضع الطبيعي أم لا
إجابة Kes هذه يُمكن أن تكون مرجع لشروحات حول مشكلات العلاقات العاطفية.

يكمن الذكاء في القصّة، بتقليص عمر الكائنات الفضائية لمقياس زمني صغير هو (9) سنوات، والبلوغ والنضج عند سِن (3) سنوات، أي عند ثُلث أعمارهم تقريبًا.
بالنسبة والتناسب، يخوض البشر أيضًا علاقاتهم العاطفية في الثلث الأوّل من حياتهم.

إنّنا نختبر أنفسنا في العشرينيات تقريبًا، من خلال التواجد في علاقة عاطفية أو زوجية وبحثًا عن ذواتنا، وبحثًا عن استقرار وجودي من خلال (الارتكاز) على ذات أخرى تُشاركنا خبرات العيش: ملذاته وآلامه.
لكن ما يعجز البشر عن فهمه، نتيجة وَهم إدراكي حيال العيش لمدّة عشرين سنة فأكثر

أقول، يتولّد شعور لاواعي بأنّ الآخر ينبغي أن يكون مُكتَمِلًا وناضجًا، وأنّ ذاته يجب أن تكون ذات (ثابتة) لا تتغيّر ولا تتصيّر، ذات مكتملة تفهم ذاتها وتُلبّي لي كل ما أريد بنسق ثابت ومفهوم.
التفكير بـ الذات بوصفها (جِسِم مُتصلّب) ومُتمايز وواضح المعالِم هو أوّل هذه المنزلقات التفكيرية.

فـ الذات بحسب مدارس واتّجاهات كثيرة في علم النفس والاجتماع، هي ذات (مُتصيّرة) تُعيد إنتاج نفسها في كلّ مرحلة عمرية، وتخلقها التجارب وتُعيد تشكيلها مع قدر بسيط من الثبات الموضوعي.
حرمان الآخر من قدرته على اكتشاف نفسه، وحصره في خانة ضيّقة ومُتحجِّرة من الأساليب هو شكل من أشكال الإجحاف العاطفي.

العلاقة الآمنة والصحّية هي العلاقة التي تسمح لكلا الأطراف بالنماء والازدهار بحدود التفاهم المشترك.
لكنّ العلاقة التي تجتاح الآخر وتمسخ شخصيته وتسلبه إمكان فهم ذاته، هي علاقة مهزوزة وظالمة ولو كانت هذه الوصائية على الذات بدعوى (الخوف على الآخر) أو بدعوى (أنّني أكثر خبرة وفهمًا)

وهذه تحديدًا ما يُسمّيها المُحلِّل النفسي إريك فروم، بالسادية الناعمة أو غير الجسدية
العلاقات العاطفية جسم ينمو بالخبرات المشتركة.

وافتراض أن العمر يمكن أن يمضي، دون أن يكتشف الآخر شيئًا جديدًا عن نفسه أو دون يتولّد في نفسه رغبات ومخاوف جديد، يعني أن تُبقي الآخر في متحف أثري غير خاضع للزمان والمكان.
يلفتني في هذا السياق حديث عمر بن الخطاب في الصحيحين:

كُنّا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلمّا قدِمنا المدينةَ وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم

فطَفِق نساؤنا يتعلمنّ من نسائهم
هذا الوعي بتبدّل الطبع بتبدّل المكان، وبتبدّل العشرة وشبكة العلاقات، هو تجسيد جيّد لإعادة تشكّل الذات في سياقات جديدة.

سياق معيشي جديد، يُغيّر من شكل تواصلي مع الآخر ويُغيّر من اهتماماتي ومخاوفي.
لذلك أحيانًا يقع الإنسان فريسة لفَخ (المرحلة) أي من خلال تعريف الآخر بمرحلة مُعيّنة وحصره بهذه الخانة.

مثلًا قد تبدأ الزواج وتدخل المرأة مرحلة الأمومة مباشرة، فيحرمك هذا أن تفهمها خارج إطار الأمومة، ويصير لِزامًا عليها أن تبقى هذه الذات، وإهمال ذاتها السابقة واهتماماتها السابقة.
خلال العلاقة، تمرّ الذات بخبرات مختلفة، فتكتشف شيئًا جديدًا عن نفسك.

مثلًا قد تكون زوج ممتاز، لكنّك قد تكتشف أنّك أب تسلّطي أو دفاعي أو نحو ذلك، باعتبارها خبرة جديدة.

صحيح ليست منفصلة عن ذاتك السابقة، لا يُمكن القول بقطيعة تامّة مع سمات شخصيتك، لكنّها تجربة مختلفة لاكتشاف الذات
لذلك دائمًا يحضرني أنّ المُحلِّل النفسي إريك فروم قال:

قدرة المَرء على الاختلاء بذاته، وقدرته على مجالسته لنفسه، هو شرط أساسي للحُبّ الحقيقي
ومعنى كلام فروم، وتبعاته أنّ قدرة المرء على فهم ذاته ومراجعتها وفَهم ما تمرّ به من تطوّرات، وكذا فهم ما يزعجه من الآخر لما يمرّ به من تطوّرات، هو شرط أساسي لأن نُحبّهم.

وهذه فضيلة أخرى مَنسية لفهم الذات، أنّ أكبر خدمة يُمكِن أن تُقدِّمها للآخر هي أن تتفانى في فهم ذاتك بشكل دوري.
جوهر الحبّ: ابتكار الاستمرارية

كما قال ذلك الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، لأنّ العلاقة تختبر نفسها تحت وطأة تجارب جديدة، ولأنّ الآخر وأنا نمرّ بخبرات جديدة مع تقدّم العمر، وبالتالي سنحتاج لأنّ نُعيد تعريف العلاقة واستحداث معنى جديد في كل مرحلة https://twitter.com/MahmoudAdi/status/1188846317310824448
أخيرًا، ممّا يحضرني دائمًا وأشارَ له علماء الاجتماع المعاصرون مثل إيفا إيلوز وهارتموت روزّا.

أنّ الزواج في الماضي كان يتحصّن باعتبارات اجتماعية واقتصادية صلبة تمنحه معناه وديمومته

لكنّ الزواج القائم على الحبّ في العصر الحديث، يحتاج إلى بذل جُهد مضاعف لمنحه معناه ولضمان استمراره
في عالم شديد الانكشاف على الآخرين وتجاربهم وشديد الاستباحة من قِبَل رأسملة الحبّ والتسويق التجاري لشكل العلاقات عبر السينما والمسلسلات..

تكون الذات عُرضة للتشويش ويكون الحبّ عرضة للتقلّب والتفكيك
من وحي نقاش سابق مع @basemaggad مشكورًا لتعريفي بـ ocampa و Star Trek: Voygar
You can follow @MahmoudAdi.
Tip: mention @twtextapp on a Twitter thread with the keyword “unroll” to get a link to it.

Latest Threads Unrolled: